الشيخ حسن المصطفوي

54

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

نعم مفهوم البيع في النفس إنّما يصحّ إطلاقه في الجهاد والقتل وبذل النفس كما في : . * ( إِنَّ ا للهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ا للهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) * . . . . * ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِه ِ ) * - 9 / 111 . إلَّا أن يراد مطلق جعل المبيع تحت سلطة المشتري وحكمه واختياره . * ( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَه ُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوه ُ بِضاعَةً ) * . . . . * ( وَشَرَوْه ُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ) * - 12 / 20 . الظاهر أنّ قول الوارد يا بشرى هذا غلام : خطاب للطائفة السيّارة ، وبعد هذه البشارة أرادوا بإسراره لينتفعوا في معاملته ، ثم أخذوه بثمن بخس . وهذا الشراء إمّا من الوارد البشير ، فانّه كمنشد الضالَّة والعامل في إخراجه من البئر وإنجائه ، ولا أقلّ له من حقّ العمل في قبال تسليمه ، أو أنّ إخوته كانوا مطَّلعين وأرادوا أن يعرّفوه بكونه عبدا آبقا ، وباعوه منهم ليتحقّق النقل من البلد إلى بلد آخر . ومفهوم الأخذ أولى من الاشتراء في معاملة ، فانّ المعاملة لم تكن صحيحة ، وهو حرّ غير مملوك لأحد . وهكذا البيع : فانّه تجوّز وعلى خلاف الأصل . والتعبير بالشراء دون الاشتراء : إشارة إلى أنّ هذا الأخذ لم يكن باختيار وانتخاب ، بل بمطلق أخذ عاديّ - . * ( وَكانُوا فِيه ِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ) * - فانّ الزهد هو التمايل الشديد إلى جهة الترك . وهذا بخلاف الأخذ في مصر مرتبة ثانية : فعبّر فيها بالاشتراء الدالّ على الاختيار في العمل والمطاوعة الاراديّة - . * ( وَقالَ الَّذِي اشْتَراه ُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِه ِ أَكْرِمِي مَثْواه ُ ) * - 12 / 21 . فظهر أنّ الشرى مجردّا يدلّ على مطلق الأخذ في جريان أمر ، والاشتراء بمناسبة المطاوعة والاختيار يدلّ على أخذ المبيع في المعاملة ، إذا كان مع تفهّم واختيار وانتخاب ، واستعماله في مورد البيع إذا كان النظر إلى جعل الثمن كالمبيع والمبيع في نظر المشتري كالثمن . وممّا يدلّ على أنّ الأصل في المادّة مطلق الأخذ ، قوله تعالى : . * ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ ا للهِ ) * - 31 / 6 .